محمد بن جرير الطبري

176

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وأصل الاغواء في كلام العرب : تزيين الرجل للرجل الشئ حتى يحسنه عنده غارا له . وقد حكي عن بعض قبائل طي أنها تقول : أصبح فلان غاويا : أي أصبح مريضا . وكان بعضهم يتأول ذلك أنه بمعنى القسم ، كأن معناه عنده : فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم ، كما يقال : بالله لأفعلن كذا . وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى المجازاة ، كأن معناه عنده : فلأنك أغويتني ، أو فبأنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم . وفي هذا بيان واضح على فساد ما يقول القدرية من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض الله أسباب ذلك إليه ، وأن السبب الذي به يصل المؤمن إلى الايمان هو السبب الذي به يصل الكافر إلى الكفر وذلك أن ذلك لو كان كما قالوا لكان الخبيث قد قال بقوله : فبما أغويتني : فبما أصلحتني ، إذ كان سبب الاغواء ، هو سبب الاصلاح ، وكان في اخباره عن الاغواء إخبار عن الاصلاح ، ولكن لما كان سبباهما مختلفين وكان السبب الذي به غوى وهلك من عند الله أضاف ذلك إليه فقال : فبما أغويتني . وكذلك قال محمد بن كعب القرظي ، فيما : 11169 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا زيد بن الحباب ، قال : ثنا أبو مودود ، سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : قاتل الله القدرية ، لإبليس أعلم بالله منهم . وأما قوله : لأقعدن لهم صراطك المستقيم فإنه يقول : لأجلسن لبني آدم صراطك المستقيم ، يعني : طريقك القويم ، وذلك دين الله الحق ، وهو الاسلام وشرائعه . وإنما معنى الكلام : لأصدن بني آدم عن عبادتك وطاعتك ، ولأغوينهم كما أغويتني ، ولأضلنهم كما أضللتني . وذلك كما روي عن سبرة بن الفاكه أنه سمع النبي ( ص ) يقول : إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة ، فقعد له بطريق الاسلام ، فقال : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك ؟ فعصاه فأسلم . ثم قعد له بطريق الهجرة ، فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك ،